شهر الله... مرحباً

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

شهر الله.. مرحبا

يطل علينا بعد أيام قلائل واحد من الأشهر المحببة إلى نفوسنا وإلى الله، وذلك هو رمضان المبارك الشهر الذي اختصه سبحانه وتعالى لنفسه داعياً عبادة على مائدة عرضها السماوات والأرض، فيها كل ما لذ وطاب من المغفرة والرحمة والتوبة والإنابة والثواب والأجر وكل مفردات الرحمة ومرادفاتها والتي يعجز القلب قبل اللسان والقلم عن التعبير عنها.. نعم هي مائدة أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، بها يفرح المؤمن في دنياه وعند لقاء الكريم عزوجل.

 

شهر الصيام لا الطعام

لقد تعود الناس استقبالاً لهذا الشهر الكريم أن يستعدوا له ولكن أيما استعداد، فالكل يهرول حاملاً كيسه ليلتقط ما لذ وطاب من الأغذية يابسها وطريها حلوها وحامضها كأننا في شهر دعينا إليه لنتسابق، أينا يأكل أكثر حتى ساعة السحر.. لا وألف لا علينا المراجعة، نعم مراجعة أنفسنا لأننا إزاء شهر يتعلم فيه المرء ويتدرب كيف يكون إنساناً يشعر بجوع الآخرين ومعاناتهم في فاقتهم وحرمانهم من لذائذ الدنيا وكيف يصبر على جوع وعطش يوم القيامة هذا الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من حمل في وزره الأعمال الصالحة، لذا فعلينا أن نتزود بزاد التقوى قبل الفوات.

 

محطات استراحة

لقد جعل الله عزوجل لعباده محطات يتزودون بها لأخرتهم من زاد الإيمان والمعرفة ومن أهم هذه المحطات أيام وليالي شهر رمضان المبارك فيه تفتح أبواب السماء بيونها الشاسع المتناهي نعم تفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران لتنزل الرحمة على العباد كل ليلة، وأشرفها ليلة القدر حيث تنزل الملائكة في ليلة هي خير من ألف شهر لترفع للعباد ما يرجون ويتوخون من خير الدنيا والآخرة حتى مطلع الفجر.

إن أهم عطاء يمكن أن يستفيد منه العبد المؤمن في هذه المحطة هو ولوج باب الرحمة والمغفرة والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى، فإن كل ليلة أو يوم أو ساعة من هذا الشهر الفضيل تدعونا لاستثمارها بالرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.

 

صيام لا خصام

كثيراً منا قد شاهد ويشاهد في هذا الشهر الكريم إن البعض يتحجج بالصوم عند الشجار ويتخاصم أو يتعصب في مشكلة ما، وبالتالي يرتفع الصياح بين العباد مما قد يسيء إلى سمعه المسلم المؤمن، لذا فمن الأمور التي تهدي إلى التقوى وتساعد على ائتلاف القلوب حسن الخلق وقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام أجمعين المثل العالي فيه، فقد كانوا يبلغون بأعمالهم وأقوالهم الفضائل، ويدلون الناس على الأخلاق الحسنة وآداب الإسلام الحميدة التي ندب إليها القرآن الكريم.

إن الأخلاق الحسنة ترفع المؤمن ليكون مقبولاً بين الآخرين والعكس صحيح، ومن هنا فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام كانوا يؤكدون على حسن الأخلاق ويدعون الناس إلى الالتزام بها موضحين مدى تأثيرها على موفقية المرء في الدنيا والآخرة، فقد قال سيد النبيين وخاتمهم صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته:(أيها الناس من حسن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جواز على الصراط، يوم تزل فيه الأقدام )، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من ساء خلقه عذب نفسه).

 

مجتمع الشورى

إن المجتمع الحي هو المجتمع الذي بنى أمره على التعاون والتكاتف، فكل فرد فيه يعاضد الآخر ورمضان خير زمان لنشر التعاضد والتكاتف والتعاون، فترى إنه إذا أنزلت نازلة على أحد فعلنا أن نهب جميعاً لمساعدته وعلاجه ونسعى لقضائها، لأننا بذلك نهتم بأمرنا فكلما زاد التعاون أفراد الأمة أو المجتمع زاد رقيهما والعكس صحيح فنرى إن الإسلام أمر بالتعاون والتعاون المثمر البناء، فقال عز من قائل:(وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاملوا على الإثم والعدوان).

والتعاون فيما بين الأفراد قد يختلف من شخص لآخر فهذا يتعاون في حل المشاكل بإبداء الرأي والمشورة، وآخر يقدم المساعدة المادية، لذا نجد إن الإسلام قد ندب المسلمين وأكد عليها في القرآن الكريم في أكثر من آية ألا وهو الشورى، فقد مدح سبحانه وتعالى المؤمنون لأنهم يتشاورون (وأمرهم شورى بينهم).

ولم تكون المشورة فرض اختيار على المؤمن، بل أن الله تعالى يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتشاور وهو (النبي) فقال سبحانه وتعالى:(وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين). إذاً فالعقل يقول: إذا كانت المشورة في الأمور العادية مطلوبة، فكيف بالأمور المصيرية للمجتمع والأمة مثل القضاء والحكومة والقيادة والرئاسة وهي من الأمور المهمة والخطيرة سيما في ظرفنا الحالي.

فعلى المؤمن أن يصمم في هذا الشهر مع نفسه أن يكون أفضل مما كان عليه، وإن يعاهد الله سبحانه وتعالى أن يكون لبنة جديدة تضاف إلى صرح الإسلام المتين، حتى يرتفع شامخاً في سماء الدنيا باعثاً الهداية والأمل للبشرية.