الحوزة العلمية الزينبية تؤبن مؤسسها السيد حسن الشيرازي في ذكراه الحادية والثلاثين

 

 

 

بحضورجمع من اصحاب السماحة والفضيلة وممثلي مكاتب مراجع الدين  ووجهاء ومؤمنين ومؤمنات ومن جنسيات شتى أُقيم في حسينية الحوزة العلمية الزينبية الواقعة بالقرب من الضريح الزينبي المقدس حفل إيماني وتأبيني مهيب احتفى بمؤسس الحوزة العلمية في الجمهورية العربية السورية في ذكرى استشهاده الحادية والثلاثين، وهو صاحب الأيادي البيضاء ، العالم الرباني، والمفكر الإسلامي، والفقيد الخالد، آية الله السيد حسن الحسيني الشيرازي رضوان الله تعالى عليه. وقد حضر الحفل نجلا المرجع الديني آية الله العظمى الامام السيد محمد الحسيني الشيرازي اعلى الله درجاته، سماحة آية الله السيد مرتضى الحسيني الشيرازي وسماحة العلامة السيد مهدي الشيرازي .

افتتح التأبين بكلمةٍ لمقدم الحفل سماحة السيد عبد الرسول الموسوي الكاظمي أشار فيها الى محطات فكرية وجهادية للشهيد الشيرازي قدس سره وقال في جانب منها: حين اغتسل جرحك المهراق بهمس الضوء البعيد، وحفر وجهك أسطورة عقلك في صخور الأرض، ومسارب التاريخ، وثقافة التنوير الجديد استسلم الخلود على يديك، وقال كلمته الأخيرة على بوابات جرحك المتدفق وفوق عشب واحاتك ... وحين تصَّور الجلّاد أن رأسك المصلوب على مداخل بغداد وبيروت سينهي أسطورتك في الذات والتاريخ خرجت إليه بلا رأس لتريه كيف ينتصر يحيى على غواني البلاط، وكيف تحتفل أنت بترابية الفقيه على رصاص الاغتيال.

وأضاف فضيلته: لم ترهبك المشانق العالية وفي ضميرك ما هو أغلى وأسمى منها، ولم تخش سياط حقدهم وهي تتلوى على ضلوعك وفي يقينك أن الترفع على الألم أسمى في يقين العارفين بالله تعالى من لحظة يكبو فيها جواد الكدح إليه بآهةٍ قد يضعها الجلاد في حساباته حين يبدأ تقييم الحلات الرافضة لمنهج الاستبداد، فأنت كنت كما قلت «لا السجن يرهبني ولا الإعدام» في تأبينك نحاول أن نحيي أنفسنا، ونستعيد سقف العافية المنهار، ويشرق من جديد على ما تبقى من محتوياتك الفكرية ومؤسساتك العلمية.

 ومن ثم ابتدأت فقرات الحفل وقد استهلت بآياتٍ من الذكر الحكيم رتلها فضيلة الشيخ عباس النوري، ثم أولى كلمات الحفل وكانت لسماحة آية الله الشيخ جعفر الهادي ـ الأستاذ في الحوزة العلمية بمدينة قم المقدسـة والذي عاصر الشهيد الشيرازي قدس سره في كربلاء وبيروت ـ. وفيما يلي جانب من كلمته: قد تفقد الأمة برجل رجالاً متعددين لتعدد مواهبه، وتنوع أبعاد شخصيته، وهكذا عرفت شهيدنا السيد حسن الشيرازي في الفسحة الزمنية التي عاصرته فيها وعايشته وتعاملت معه، من هنا فإن الأمة الإسلامية لم تفقد رجلاً عادياً بافتقادها الشهيد العظيم آية الله السيد حسن الشيرازي قدس الله روحه، بل فقدت، في هذا العصر - عصر ندرة الرجال الموهوبين - شخصاً قل نظيره، فقد عرفت الشهيد الشيرازي من مدينة كربلاء المقدسة بعد أن عرفت والده الإمام المجاهد آية الله العظمى السيد مهدي الشيرازي وأنا في الربيع العاشر من حياتي، وقد عرفته فقيهاً لامعاً وعالماً في الدين بارزاً، ومع تكاملي في العمر تعرفت على جوانب أخرى من شخصية هذا الفقيه البارز الذي كان إلى جانب ذلك حافظاً للقرآن، وشاعراً بليغاً، وحافظاً لـ كم هائل من الشعر العربي، مستظهراً لنصوص أدبية معروفة، وعارفاً بشؤون العصر من قضايا الاجتماع والاقتصاد والسياسة.

وأضاف سماحته: إن الشهيد السيد حسن الشيرازي أعلى الله مقامه  ابن سلالة متجَّذرة في العلم والفقه والفكر والسياسة والثقافة والاجتماع، جامعاً لمواهب متنوعة، وحاوياً لخصوصيات متعددة، يلبي حاجة العصر فلم يعد يكفي أن يكون رجل الدين في هذا العصر والأعصر القادمة منكفئاً على نفسه، مكتفياً ببعض العلوم، غافلاً عن بعض آخر مما يتصل بعقل المجتمع وضميره، وعاطفته وذوقه، حيث إن المجتمع أصبح مكشوفاً للثقافات الإنسانية المتطورة، والأدبيات المؤثرة و «الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أينما يجدها».

 

شاعر أهل البيت عليهم السلام مهدي جناح الكاظمي كانت له مشاركة أشار من خلالها الى أنه لم يعاصر الشهيد الشيرازي قدس سره عن قرب لكنه استدل بآثاره عن مآثره، وقال في جانب من قصيدته:

صدى ذكــراك باق لا يزول      وشمسك لا يدانيها الأفـــــول

فأنت لنــــا بوقت الضيق أفق       رحيب والجراح به نزيــــل

وعلّمك الحسين السبط درساً       على كل الطغاة به تصــــول

وإن قل النصير لديــــك قلب       إذا أُفردْتَ عن جيش بديـــل

طلعْت لنــــا بلج الليل شمساً       لها الأحداق تجمح والعقــول

فنورت الطريق وسالكيـــــه       وفكرة مَنْ تنكّبه الوصـــــول

ألا أيهــــــــا الحسن المفدى       تعلمنــــــا جراحك إذ تقـــول

بأن الحـــــق منتصر ويبقى       شهيد الحق نوراً يستطيــــــل

وألقى الناطق الرسمي باسم طائفة الموحدين الدروز الكريمة في سوريا فضيلة العلامة كميل نصر كلمة تناول فيها مواقف صاحب الذكرى قدس سره، واستهل حديثه بكلام للشهيد الشيرازي حيث قال:

في هذا اللقاء الإنساني الكبير وهذه المناسبة التي لها آثار بعيدة المدى تسمو بنا بقدر ما لها من قوة دافعة، وبقدر ما نقترب منها ونعرف قدرها، وهذه المناسبة تكتسب ميزتها من نفس الحدث الذي وقع فيها، وكلام الحق عنها يبقى عالياً رغم الأنوف الحاقدة، بدليل قول رسول الرحمة صلى الله عليه وآله: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه». وهذه اللقاءات أكدها الإمام عليه السلام قائلاً: «لقاءات أهل المعرفة عمارة القلوب ومستفاد الحكمة» مبيناً أن الإمام حسن الشيرازي ـ طيب الله ثراه ـ الإنارة والمنارة، ورجل المبادئ والقيم الذي لا يموت أبداً، فحق للأدب أن يبكيه فقيداً، وحق للعلم أن يندبه شهيداً، وحق للجهاد أن يفقده باسلاً مناضلاً عنيداً، أعماله وكلماته ومجلداته مدرسة شاملة للقيم الشريفة، والمبادئ الكريمة، علّم الناس بأن الحياة لا معنى لها إذا خلت وتعرَّت من الجهاد لتحقيق الأهداف النبيلة، جاهد وناضل ولم تزده المصاعب إلا إصراراً وقوة في المضي قدماً لإنارة الطريق، ولم يستطيعوا إطفاء هذا النور في حياته، وازداد إشعاعاً بعد استشهاده، لأن الأمة الإسلامية تحيى بعقائدها وبعلمائها وشهدائها، ومرتبطة روحياً بمداد العلماء وبدماء الشهداء، وما أشرفها أن تكون يد العالم ومداد قلمه، هي نفس يد الشهيد ودمه الطاهر، أمثال صاحب هذه الذكرى الذي استشهد ليحرك ضمير الأمة لعلها تستيقظ من سباتها، وكان على يقين بأن المجد لا يبنى صرحه إلا بدماء الشهداء، بدليل قوله تعالى: (أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)... نعم إن دماء الشهداء ثقيلة في ميزان الرحمن، وأنهم لا يموتون أبداًَ، وجودهم في عقولنا وذاكرتنا أقوى من تواجدهم أمام أنظارنا.

وختم فضيلة الشيخ نصر كلمته قائلاً: سيبقى الشهيد الحي الإمام حسن الشيرازي ـ رضوان الله تعالى عليه ـ  منارة مضيئة لمن أراد الاقتداء بصفوة الله الصالحين، وزاداً تستلهمه الأجيال الصاعدة ليسلموا من الضياع، ولإيجاد منهج رصين وقويم لتنمية الأخلاق ومدلولاتها بغية التخفيف من وطأة الجهل والتخلف.

واختتم الحفل بمجلس عزاء حسيني لفضيلة الشيخ محمد جمعة المهاجر.

هذا وقد تميز الحفل  بحضور شخصيات سياسية واجتماعية حيث حضر القائم بأعمال السفارة العراقية الأستاذ حسن سوادي والوفد المرافق له، ومعاون وزير الأوقاف السوري د. نبيل سليمان، وسفير جمهورية إيران الإسلامية الأستاذ أحمد الموسوي والوفد المرافق له، ووفد من التيار الصدري، وممثل المجلس الأعلى الإسلامي العراقي الأستاذ محمد الغراوي والوفد المرافق له، وممثل حزب الدعوة الإسلامية الأستاذ أبو مهدي الركابي.