النصف من شوال ذكرى معركة أحد واستشهاد حمزة بن عبد المطلب عليه السلام

معركة أحد فاصلة الإيمان والنفاق

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الخامس  عشر من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة الشريفة كانت معركة احد وفيها انزل الله سبحانه الآية الكريمة: (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ) آل عمران:116.

قال الإمام الشيرازي في التبيين ص83: (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) المسلمون والمشركون في احد حيث تلاقيا (فَبِإِذْنِ اللّهِ) حيث ترككم وشأنكم.

وأُحد جبل معروف بالقرب من المدينة، يبعد عنها فرسخاً واحداً ـ أي خمسة كيلومتر ونصف ـ، وذلك ان قريشاً زادت من حقدها وبغضها للمسلمين بعد واقعة بدر، وما برحت تستعد للحرب حتى جمعت خمسة آلاف رجل، مع ثلاثة  آلاف بعير ومائتي جواد، فخرجوا يطلبون الحرب مع رسول الله صلى عليه وآله وصحبوا بعض النساء معهم ليبكين على القتلى، ويثرن الحمية في قلوب الرجال، ويشجعنهم على القتال، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله خرج مع اصحابه اليهم، وتلاقوا في احد، فجعل صلى الله عليه وآله جبل احد خلفه وجبل عينين على شماله، والمدينة أمامه، وكان في جبل عينين ثغرة يخاف الكمين منها فجعل صلى الله عليه وآله عبد الله بن جبير عليها وقال له: «ان رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة فلا تبرحوا من هذا المكان وان رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا وألزموا مراكزكم».

 

الرسول يخطب:

فلما سوى الصفوف قام وخطب فقال: «ايها الناس أوصيكم بما أوصاني به الله في كتابه من العمل بطاعته، والتناهي عن محارمه ـ وساق الخطبة الشريفة الى قوله ـ قد بين لكم الحلال والحرام غير ان بينهما شبهاً من الأمر لم يعلمها كثير من الناس إلا من عصم، فمن تركها حفظ عرضه ودينه، ومن وقع فيها كان كالراعي الى جنب الحمى أوشك أن يقع فيه وما من ملك لا وله حمى، الا وأن حمى الله محارمه، والمؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد اذا اشتكى تداعى عليه سائر جسده، والسلام عليكم».

 

استعداد المشركين:

اما المشركون فانهم استعدوا للحرب وسووا الصفوف، وجعلوا خالد بن الوليد مع خمسمائة رجل على الميمنة، وعكرمة بن أبي جهل مع خمسمائة رجل على الميسرة، وصفوان بن امية مع عمرو بن العاص على الفرسان، وعبد الله بن ربيعة على الرماة، وكانوا مائة رامي، وقدموا هبل وهو على بعير وحملوا النساء خلفهم واعطوا الراية الى طلحة بن أبي طلحة.

 

المسلمون يستعدون:

فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن حامل لواء المشركين قيل نفر من بني عبد الدار فقال: نحن أحق بالوفاء منهم فدعا  مصعب بن عمير من بني عبد الدار وأعطاه اللواء فكان يحمله أمام النبي صلى الله عليه وآله.

 

المعركة تبدأ:

ثم جاء طلحة بن أبي طلحة كبش الكتيبة وصاحب راية المشركين وطلب المبارزة فبرز اليه أمير المؤمنين عليه السلام وهو يرتجز فقال له: من أنت ياغلام؟ قال: انا علي بن ابي طالب، فقال طلحة: قد علمت ياقضم انه لايجسر علي احد غيرك ـ القَضْم: الأكل بأطراف الأسنان والقَضَم: أي الذي يقضم الناس فيهلكهم ـ فشد عليه طلحة وضربه ضربة فاتقاه أمير المؤمنين عليه السلام بالدرع، ثم ضربه عليه السلام على مقدم رأسه، فشجه وسال مخه منه وصرع على الارض، وبدت عورته، وحلّفه بالرحم، فانصرف علي عليه السلام عنه ... ففرح رسول الله صلى الله عليه وآله بقتله وكبَّر فكبَّر المسلمون معه ثم جاء بعد طلحة أخوه مصعب ورفع اللواء، فقتله علي عليه السلام فجاء كل من كان من بني عبد الدار فقتلوا حتى لم يبق منهم احد، فجاء عبد لهم يسمى صوأب، ورفع الراية، فقتله أمير المؤمنين عليه السلام وألحقه بمواليه.

قيل ان صوأب كان غلاماً حبشياً، عظيم الجثة، كأنه برج فلما قتل مواليه احمرت عيناه وكان الزبد يسيل من فمه، فأقسم الا يقتل الا محمد صلى الله عليه وآله فهابه المسلمون، فخرج اليه أمير المؤمنين عليه السلام فضربة شق بها ظهره ووقع على الارض نصفين، ثم هجم المسلمون على المشركين فهزموهم، وسقط هبل من على الجمل، فأكب المسلمون على الغنائم فلما رأى اصحاب الثغرة ذلك، عصو أمر الرسول صلى الله عليه وآله وأمر قائدهم عبد الله بن جبير، ونزلوا لأخذ الغنائم، وتركوا عبد الله مع عشرة من اصحابه هناك.

 

إنقلاب الأعقاب:

فلما رأى خالد ذلك، خرج من الكمين مع عكرمة بن ابي جهل في مائتي فارس، فقتل عبد الله ومن معه، وهجم من الخلف على المسلمين، فبادر بقتلهم ورفعت راية المشركين، ونادى ابليس وقد تصور في صورة جميل بن سراقة: الا ان محمداً قد قتل، فاضطرب المسلمون لهذه النداء، وأخذ بعضهم يضرب بعضاً حتى قتل يمان والد حذيفة، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وآله وراء ظهورهم، وولوا مدبرين.

 

جهاد وصبر ومواساة:

وجاء أمير المؤمنين عليه السلام يحمي النبي صلى الله عليه وآله يميناً وشمالاً حتى اصيب بتسعين جرحاً في وجهه وصدره ويده ورجله، ونادى منادٍ من السماء: «لا فتى الاعلي ولا سيف الا ذي الفقار» وقال جبرئيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذه مواساة ومروة من علي لك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: انه مني وانا منه، فقال جبرئيل عليه السلام: وانا منكما.

قيل ان عبد الله بن قميئة توجه الى النبي صلى الله عليه وآله يريد قتله فذب مصعب بن عمير ـ صاحب راية المسلمين ـ عن الرسول حتى قطعت يده اليمنى، فأخذ الراية بشماله فقطعت، فلما استشهد جاء ملك في صورته ورفع الراية، ثم رمى عبد الله بن قميئة رسول الله صلى الله عليه وآله بحجر فكسر انفه ورباعيته وشجه في وجهه، فكان صلى الله عليه وآله يمسح الدم مخافة ان يسقط على الارض وينزل الله العذاب وهو يقول: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وهو يدعوهم الى الله». ثم رمى عتبة بن ابي وقاص الرسول بحجر فكسر اسنانه، وضرب بعضهم النبي بالسيف فلم يؤثر فيه لانه كان لا بساً درعين، وقيل: أصابه صلى الله عليه وآله سبعون ضربة بالسيف لكن الله وقاه وحفظه منها جميعاً، فكان يقول: اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون.

 

استشهاد حمزة بن عبد المطلب عليه السلام:

اما حمزة عليه السلام فقد استشهد على يد وحشي، عبد جبير بن مطعم، وذلك ان حمزة بينما كان يهجم على المشركين كالليث الغضوب ويقتلهم ويبددهم، رماه وحشي بحربة في خاصرته فخرجت من مثانته، فسقط على الارض واستشهد، وقيل ضربه في عانته، ثم اتاه وحشي فشق صدره، واخرج كبده وجاء به الى هند زوجة ابي سفيان، فأخذته ووضعته في فمها فجعله الله كالحجر، فرمته من فيها وأبى الله أن يدخل جزءاً من جسمه الشريف في جوف كافر، ولذا سميت بآكلة الاكباد.

 

التمثيل بالجثث الشريفة:

ثم جاءت الى مصرع حمزة فقطعت أذنيه وبعض اعضائه فشدتها في عنقها فتأست بها نساء قريش وذهبن الى مصارع المسلمين، وأخذن يمثلن بهم ويجعلنَّ اعضاءهم حلياً وأسورة، ثم جاء أبو سفيان الى مصرع حمزة وجعل يضرب فمه برأس النبل ويقول: «ذق يا عقق» ـ أي يا عاق ـ.

فقال حليس بن علقمة: «يا معشر بني كنانة انظروا الى من يزعم انه سيد قريش ما يصنع بابن عمه الذي قد صار لحماً»، فاستحى أبو سفيان وخجل وقال: استرها علي، واستشهد في هذه الغزوة سبعون رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله بعدد أسارى بدر من الكفار، بعد أن رضي المسلمون منهم بالفدية دون قتلهم على أن يستشهد منهم في السنة القادمة بعددهم، ولما وصل خبر استشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله الى المدينة خرجت أربع عشرة امرأة من نساء أهل البيت وأقاربهن، وفيهن فاطمة الزهراء عليها السلام إلى احد، فجاءت عليها السلام إلى أبيها واعتنقته وأخذت تبكي لما رأت جراحاته الكثيرة، فكان علي عليه السلام يجيء بالماء في ترسه وفاطمة تغسل الدم عن وجهه، فلما رأت الدم لا يرقأ أخذت قطعة حصير فا حرقته حتى صار رماداً ثم الصقته بالجرح حتى تماسك وكان صلى الله عليه وآله يداوي الجرح في وجهه بعظم بال حتى يذهب أثره.

 

رواية القمي:

روى علي بن ابراهيم القمي انه: «قال رسول الله صلى عليه وآله من له علم بعمي حمزة فقال حارث بن الصمه ( بكسر الصاد وتشديد الميم)، أنا أعرف موضعة فجاء حتى وقف على حمزة فكره أن يرجع الى رسول الله فيخبره فقال رسول الله صلى عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام يا علي اطلب عمك فجاء علي عليه السلام فوقف على حمزة فكره أن يرجع اليه، فجاء رسول الله صلى عليه وآله حتى وقف عليه فلما رأى ما فعل به بكى ثم قال: والله ما وقفت موقفاً قط أغيظ علي من هذا المكان لأن امكنني الله من قريش لا مثلن بسبعين رجلاً منهم فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) النحل: 126. «فقال رسول الله صلى عليه وآله بل أصبر، فألقى على حمزة بردة كانت عليه فكانت اذا مدها على رأسه بدت رجلاه واذا مدها على رجليه بدا رأسه، فمدها على رأسه والقى على رجليه الحشيش، وقال: لو لا اني احذر نساء بني عبد المطلب لتركته للعادية والسباع حتى يحشر يوم القيامة من بطون السباع والطير، وامر رسول الله صلى عليه وآله بالقتلى فجمعوا فصلى عليهم ودفنهم في مضاجعهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة».

 

دفن الاجساد الطاهرة:

قيل: أمر رسول الله صلى عليه وآله أن يدفن حمزة وعبد الله بن جحش ـ ابن اخته ـ في قبر واحد، وكذلك أمر أن يدفن عبد الله بن عمرو بن حزام أبو جابر مع عمرو بن الجموح في قبر واحد، وهكذا دفن كل مع صاحبه، فكان يدفن في قبر واحد اثنان أو ثلاثة من الشهداء، وكانوا يدفنون مع ثيابهم الملطخه بالدماء، وكان صلى الله عليه وآله يقول: «زملوهم في ثيابهم ودمائهم فانه ليس من كلم، كلم في الله الا وهو يأتي الله يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك».

وورد في الحديث انه صلى الله عليه وآله كفن حمزة لأنه سلبت ثيابه وكان عاري الجسد، وقيل ان قبر عبد الله وعمرو كان مما يلي السيل فلما جاء السيل على قبرهما أتى بجثة عبد الله وكان قد أصابه جرح في وجهه في المعركة وكانت يده على وجهه فاميطت يده عن جرحه فسال الدم، فردت الى مكانها فسكن الدم.

قال جابر: رأيت أبي بعد ست وعشرين سنة في حفرته كأنه نائم ما تغير من حاله كثير ولا قليل، والحرمل الذي كان على رجليه باق كهيئته.

ولما انصرف الرسول صلى الله عليه وآله الى المدينة كانت القبائل تخرج اليه وتحمد الله على سلامته وتنسى قتلاها، فخرجت الى النبي صلى الله عليه وآله كبيشة ام سعد بن معاذ، فقال سعد وبيده زمام جواد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، هذه أمي أتت اليكم، فلما دنت عزاها رسول الله صلى الله عليه وآله بمصاب ابنها عمرو بن معاذ، فقالت: لا تؤلمني هذه المصائب في جنب سلامتك، فدعا لها الرسول صلى الله عليه وآله بالأجر وتخفيف الحزن، ثم أمر سعد بن معاذ أن يصرف الجرحى من قومه الى منازلهم لمداواتهم. فذهب الجرحى الى بيوتهم، وهم ثلاثون، بأمر رسول الله صلى عليه وآله.

 

نواح ومواساة:

وكان البكاء يسمع من اكثر بيوت المدينة فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله بكاء النوائح عل قتلاهن ترقرقت عيناه وبكى، ثم قال: لكن حمزة لا بواكي له اليوم، فلما سمعه سعد بن معاذ وأسيد ين حضر، قالا لنساء الانصار: لا تبكين امرأة حميمها حتى تأتي الى فاطمة عليها السلام فتواسيها في البكاء على حمزة ثم تبكي على قتيلها.

فلما سمع رسول الله صلى عليه وآله الواعية على حمزة قال: ارجعن رحمكن الله فقد آسيتن بانفسكن فاتخذت سنة، انه اذا مات الميت منهم بدأن البكاء على حمزة ثم بكين عل ميتهن.