إلى
الخلود يمضي أشرف الكائنات

بسم الله الرحمن الرحيم
وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله
الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم. آل عمران 144
قبل أن يخلق الله سبحانه وتعالى كل
شيء خلق نور النبي محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام إذ يقول صلى
الله عليه وآله لجابر بن عبد الله الأنصاري:(يا جابر إن أول ما خلق الله نور
نبيك).
وقد خلق الله رسول وهو نور اشتق من
نوره ثم خلق نور علي والحسن والحسين والزهراء صلوات الله عليهم أجمعين فصاروا
أنوار بعرش الله محدقين يطوفون في السماء يسبحون الله وتقدسونه ويعلمون
الملائكة التقديس والتسبيح حيث لا تسبيح ولا تقديس قبلهم (وما منا إلا له مقام
معلوم * إنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون) الصافات 166.
ولما طفح كيل الجاهلية وسادت شريعة
الغاب واشتد أوار العنصرية والعرقية والقبلية والمفاضلة البعيدة عن التقوى
والورع والكرامة وتزايد اللاانسانية، حيث تسيَّد الأبيض على الأسود والسيد على
العبد والغني على الفقير وصارت السيادة والحكم الأعلى للحال وملاكه. فمن أجل أن
تظل مكانة الإنسان كما أرادها الله إذ هو أكرم مخلوق، ومن أجل أن يسمو المعنى
الحقيقي للإنسانية فلا بد للمنقذ من مجيء.
وحان موعد البعثة وقد بعث النبي
الأكرم صلى الله عليه وآله (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم وحريص
عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) التوبة 128.
ونزل القرآن إلى صدره الكريم
ليبلغه إلى الناس ويستنبط منه الأحكام والشرائع، وسار صلى الله عليه وآله
بدعوته، وقد لقي ما لقى وعانى ما عانى وهو يقول:(ما أوذي نبي مثلما أوذيت) لكن
صدره الذي حمل القرآن الذي إذا نزل على جبل لجعله خاشعاً متصدعاً من خشية الله،
ذلك الصدر الواسع الذي وسع ما لم يسعه الكون كان مليئاً بالشفقة والرحمة
والرأفة، يتحمل ليهدي الأمة الصراط المستقيم إلى الصواب لتنجو إذا اقتدت بمنهجه
الذي جاء ليتمم به مكارم الأخلاق.
وقد خرج من مكة إلى يثرب بعد أن
أمره الله سبحانه وتعالى وترك وصيه وأخاه وابن عمه يضطجع في فراشه ليفديه بنفسه
حين تآمرت قبائل قريش وعزمت على قتله، ولكن أمير المؤمنين علي عليه السلام خيب
ظنها إذ فداه بنفسه بمبيته مكانه وحمل له الفواطم.
وعند وصوله صلى الله عليه وآله
المدينة استقبله أهلها ولحق به المهاجرون تاركين كل ما يمتلكوا إلا أنفسهم
ليحضوا بمصاحبته ونصرته حتى جعل أفئدة الناس تهوي إليه (يدخلون في دين الله
أفواجا) فاتخذهم أنصاراً له وأحنى بين الأنصار والمهاجرين، وقاتل الكفار
والمشركين حتى قالوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وحين أذن الله له توجه
بجيشه المسلح بالإيمان والعقيدة الحقة وفتح مكة ونادى وصيه وخليفته وأمره أن
يحطم كل الأصنام ويكسر الأوثان فصعد على كتفه على موضع وضع الرحمان يمناه ليعيد
الناس إلى رشدها بنبذ كل عبادة إلا عبادة الله الواحد الأحد ودخل مكة منصوراً
مؤيداً بالله وسعى ولبى وشكر، وعاد متوجهاً إلى المدينة وعند وصوله غدير خم جاء
النداء (يا أيها الرسول بلغ بما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)
المائدة 67. وقف ونصب أمير المؤمنين عليه السلام بقوله:(من كنت مولاه فهذا علي
بعدي مولاه) فنزلت الآية الكريمة (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي)
المائدة3. وعاد إلى المدينة وما هي إلا أيام حتى ألم به المرض وأخذ منه مأخذ
وبينما هو في ذلك التفت إلى من حوله فقال: آتوني بقرطاس ودواة لأكتب لكم ما
يكون لكم المحجة البيضاء الأخيرة معه إلا علي أمير المؤمنين عليه السلام وابنته
الصديقة الطاهرة عليها السلام التي أخبرها بأنها أول من سوف يلحق به، وصعدت
روحه الزكية الطاهرة إلى الرفيق الأعلى فحمله وصيه وخليفته وغسله وجهزه ودفنه،
والآخرون يجتمعون ليتقاسموا المناصب ويغتصبوا حقوق آل الرسول صلى الله عليه
وآله.
|