عشائر العراق تأريخ وولاء

خاص: alshirazi.net

العشائرية هي الميزة الاساسية لمكونات المجتمع العراقي فالعراق ومنذ القدم تشكل من مجموعة عشائر فكان تأريخها تأريخ العراق ومنذ الفتح الإسلامي للعراق ازدادت العشائر العربية فيه وان غالبيتها شيعية وقد بلغت ذروتها أبان حكم أمير المؤمنين عليه السلام واتخاذه الكوفة عاصمة له، والمتأمل في المعارك التي خاضها العراقيون مع أمير المؤمنين كما في معركة صفين يجد الأمر جلياً واضحاً بل ان المؤرخين يذكرون عبارة: (أهل العراق في قبال أهل الشام).

إذاً فالمكون الأساس للشعب العراقي وهم العشائر ذات ولاء واضح لمذهب أهل البيت عليهم السلام، ومن هنا لا يمكن الحديث عن الشيعة في العراق كطائفة إلا إذا جاز أن نسمي الاسبان في اسبانيا بالطائفة الكاثوليكية والانكليز في بريطانيا بالطائفة البروتستانية، فالعراق هو عراق أهل البيت عليهم السلام ومن خالفهم فهم القلة ومن هنا لا يجوز أن نضع الكثرة في مقابل القلة فنقول الطائفة الشيعية والطائفة السنية في العراق، وان كان يحلو للبعض وصف مكونات الشعب العراقي بذلك.

 

ميزة عشائرية:

تميزت العشائر الشيعية ليس في العراق فقط بل بشكل عام وكما هو معروف بسكنها الحواضر وكذلك الارض الخصبة فالشيعة لا يوجدون إلا حيث يوجد الماء والزرع، ففي الخليج لم ينتشر التشيع إلا في البحرين، وفي الجزيرة العربية كانت المناطق ذات الغلة الزراعية هي مناطق شيعية: كالقطيف والطائف والأحساء، وفي اليمن استقر الشيعة في الشمال، بينما يخلو الجنوب المقفر منها.

كذلك فإن القبائل العربية التي اتجهت إلى الكوفة واستقرت فيها كانت أولى القبائل الشيعية ثم انتشر نطاق التشيع رويداً رويداً حتى اقصى نقطة من العراق.

كذلك فإن بعض القبائل السنية التي نزحت إلى العراق من مواطنها في البادية الجنوبية قد تأثرت بالقبائل الشيعية وبالدعاء المخلصين فاعتنقت مذهب أهل البيت عليهم السلام، يذكر أحد الكتاب العراقيين ان المؤرخين ذكروا ان معظم القبائل المعروفة التي اعتنقت التشيع مذهباً كانوا يطلقون عليهم لفظة الرافضة ومنها الخزاعل التي تشيعت منذ أكثر من 160 سنة وزبيد منذ 70 سنة وكعب منذ اكثر من 100 سنة وربيعة منذ أكثر من 70 سنة.

أما القبائل الأخرى المعروفة أمثال: آلبومحمد، بني عمير، الخزرج، شمر، طوجة، الرفافعة، بني لام، آل أقراع، آل بدير، عفك، الجبور، السليحات، فإنها اعتنقت المذهب الشيعي أيضاً ولكن لا يعرف على وجه التدقيق كما يقول عبد الله النفيسي التأريخ التي تم فيه اعتناقهم هذا المذهب.

 

العشائر وتأسيس الدولة العراقية الحديثة:

ان من أهم البواعث نحو بلوغ الأهداف الكبرى هو مقدار ما يؤمن به الشعب من قيم ومبادئ مستقاة من أصول المذهب الحق فإرادة الحرية ونبذ التبعية والشعور باستقلالية الإسلام وعلو شأنه كانت المحفز الرئيس للعشائر العراقية ذات الولاء المعروف إلى أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام إلى إعلان الثورة والوقوف خلف القيادة الدينية السياسية التي تزعمها قائد ثورة العشرين المرجع الديني الثائر سماحة الشيخ محمد تقي الشيرازي قدس سره ففي ليلة النصف من شعبان سنة 1338 هـ وهي من اهم المناسبات الإسلامية حيث كربلاء المقدسة تمتلئ بالزائرين لإحياء ذكرى ولادة الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه أمل البشرية في الخلاص والحرية، في تلك الليلة اجتمع وجوه ورؤساء القبائل الفراتية في مجلس الميرزا الشيرازي قدس سره ظاهرين ولاءهم لدينهم ووطنهم واستفتوه في اعلان الثورة ضد الانكليز فتردد الميرزا في الجواب وقال لهم ما نصه: (ان الحمل لثقيل واخشى أن لا تكون للعشائر قابلية المحاربة مع الجيوش المحتلة) فطمأنه زعماء العشائر بأن فيهم الكفاءة الكاملة ثم عاد إليهم قائلاً: (أخشى ان يختل النظام ويفقد الأمن وان الأمن أهم من الثورة وأوجب منها) فأجابوه بأن لهم القابلية على حفظ الأمن وان الثورة لابد منها عندها شكرهم وقال: (إذا كانت هذه نواياكم وهذه تعهداتكم فلله عونكم).

أعلن الميرزا الشيرازي الثورة وقادها ضد الانكليز المحتلين مطالباً بحقوق العراقيين بالحرية والاستقلال وتأسيس الدولة، وعند نجاح الثورة تشكلت المجالس التأسيسية إلا ان المحتل أبى إلا غدراً فاحتال في وضع سم للميرزا قائد الثورة فمضى شهيداً إلا ان العشائر العراقية بصمودها وكفاحها استطاعت تأسيس الدولة العراقية الحديثة.

 

المرجعية والعشائر:

لقد توالى على حكم الدولة العراقية الحديثة حكام أخذوا باضطهاد الأكثرية الشيعية وقد اتخذوا من اضعاف العشائر سلماً لغاياتهم فتنوعت الأساليب وعظم الهجوم عليها ليبلغ حد  سلب وتجريد العشائر من السلاح ذلك السلاح الذي به استطاعوا تأسيس الدولة ولم يستخدموه إلا في محن العراق وشدته وبصورة شرعية فإن عز العشائر وشموخها بسلاحها وبذلك فقد التوازن بين طيات المجتمع وبذرة بذرة كانت نتيجتها غياب الأمن وتحكم الطغاة بمصير الشعب العراقي المظلوم وكان للمرجعية الرشيدة دورها التأريخي في الوقوف ضد هذه السياسة وتثقيف الشعب وإرشاده إلى مخاطرها الجمة، فما كان من الطغاة إلا ان حاربوا المرجعية محاولين القضاء عليها فشنت الحروب الفكرية والدعائية متخذين من أسلوب (كلمة حق أريد بها باطل) المعين الأساس في تحقيق مآربهم، والحق يقال انهم استطاعوا اضعاف المرجعية الدينية في العراق بل وتهجير بعض مراجع التقليد إلى خارج العراق وابعادهم عن قواعدهم الشعبية. إلا انه لا يصح إلا الصحيح وبعد سقوط النظام العفلقي البغيض رجع الحق إلى نصابه وعادت اللحمة العراقية في أبهى مظاهرها لتعود المرجعية محتضنة لقواعدها الشعبية التي تستلهم منها التوجيهات السديدة والارشادات العظيمة.

 

المرجع الشيرازي وزعماء العشائر العراقية

عليكم أن تكونوا عشيرة واحدة:

دعا المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله خلال لقائه عدداً كبيراً من شيوخ ورؤساء عشائر العراق إلى أهمية توحيد صفوف العشائر العراقية بوجه كل المؤامرات والمخططات الرامية إلى زعزعة استقلال ووحدة العراق مشيراً إلى أهمية توعية الشباب بخطورة الأفكار المتداولة في الشارع العراقي ومنبهاً إلى أهمية الإيمان بالقدرات الشخصية لرجال ثورة العشرين واستلهامها كمفردات حية ودروس وعبر لأحفاد عشائر ثورة العراق الكبرى، وفيما يلي نص كلمة المرجع الديني دام ظله:

 

زعماء العشائر حلقة في سلسلة التاريخ:

(ما بكم من نعمة فمن الله) كل إنسان له نعمة أية نعمة فهي من الله سبحانه وتعالى، أنتم المشايخ الكرام أنتم زعماء العشائر الموفقين أنتم كل واحد منكم وريث لسلسلة من المشايخ والزعماء في ماضي التاريخ كل واحد منكم بوجوده الشخصي فرد ولكن بعشيرته مجموعة وبتأريخه مجموعات.

آباءكم الكرام أسلافكم الموفقين هؤلاء ورثوكم تأريخهم في أمرين أو أكثر أهمها أمرين الأول الإيمان بالله والخدمة لأهل البيت عليهم السلام والثاني لملمة شبابكم بنينكم ونساؤكم في طريق أهل البيت عليهم السلام، فوطنكم العراق كان وما يزال منطقة عشائرية والعشائر العراقية لها تاريخ عريق ومليء بالمكرمات.

آباءكم بمساندة ومساعدة الآخرين من العراقيين الكرام انتصروا قبل أكثر من 80 سنة في ثورة العشرين وهم قلة حيث كان تعداد العراقيين خمسة ملايين والإنكليز وراءهم ألف مليون كما يقولون وهم مدججون بالسلاح والتكنلوجيا والخبرات مقابل خمسة ملايين ليس بمستواهم ولكن بالإيمان والتضحية استطاع آباءكم بالاعتماد على الله وأهل البيت عليهم السلام استطاعوا على قلة العدد والعدة أن يدمروا أمامهم أكبر قوة على وجه الأرض، هذا الإيمان والتضحية أرث أولئك الآباء ونعم الآباء هم والأحفاد أنتم،فعليكم أن تورثوا نفس ذلك الإيمان والتضحيات التي انتصر بها آباؤكم إلى أحفادكم.. وإن شاء الله أنتم أهل لذلك، وبالأخص عشيرتكم وأفرادكم الذين تشعرون بمسؤوليتهم أمام الله عليكم أن تربوهم على الإيمان والإحسان الذي كان في الماضي سهلاً ولكن في الوقت الحاضر صعب.

 

العراقي وحده القادر على تحديد حاجته:

نسأل الله أن يمن عليكم ببركة الأئمة الأطهار بالصحة وأن يرفع عنكم هذا البلاء، لأنكم أمام مرحلة جديدة من الحرية فعليكم بحفظ أبنائكم وعشيرتكم كذلك وحدة عشائركم وهو أمر إلهي وأن تحافظوا على هذا التراث وأنتم أهل لذلك مصداقاً للمثل العربي: (ما حك ظهرك مثل ظفرك) فهو الوحيد القادر على تقدير مستوى الحل والحاجة إلى ذلك، فالعراق اليوم بلد واحد فعليكم أن تكونوا عشيرة واحدة عند الضراء ويد واحدة من أجل بناء العراق وهو أهم شيء والأهم بناء أبناء العراق، أي أفراد العراق أحفادكم الذين سيخلفوكم كما أنتم أسلاف أجدادكم تحملون تاريخ آبائكم وأجدادكم وهكذا التاريخ مستقبلاً سيقرأ تأريخكم عن طريق أبنائكم.

عليكم أن تحفظوا أبنائكم من الرذيلة والسقوط في المؤامرات التي سيغرقون العراق فيها فأنتم مدعوون للحفاظ على أبنائكم طلاب المدارس والجامعات والعاملون في كل مكان مثلهم مثل الورقة البيضاء قابلة للكتابة عليها وبالتالي تعكس ما كتب عليها.

 

الشباب أمانة في أعناقكم:

الإمام الصادق عليه السلام قال: (عليكم بالأحداث) والحدث هو الشباب المحصور بسن 14 ـ 17 سنة أي أحفظوهم (عليكم بالأحداث قبل أن تسبقكم إليهم المرجئة) والمرجئة فكر انتشر في ذلك الوقت لذا فهم في ذمتكم لأنكم الزعماء والقادة وهناك قصة عن الشباب:(كان ملك لديه وزير سيطر على كل الأمور كبير السن حكيم وعادل، عندما مات الملك صار ابنه الشاب بدله وبقي الرجل الكبير وزيره، كان من عادة الملك الأب الحضور مبكراً قبل الموظفين في حين الملك الشاب كان لا يستيقظ مبكراً بل متأخر، لذلك عمل الملك الشاب دسيسه ليتخلص من الوزير، فجعل مجموعة من الأشرار تتعرضه في أول ساعات الصباح حتى لا يأتي في أول الصباح أو الظلام، وهكذا نفذ الأشرار ما طلب منهم من ضرب وتمزيق الملابس وأهانه للوزير، مما تسبب في تأخيره ذلك اليوم مما دفع بالملك الشاب بالضحك وسؤاله عن سبب التأخير، فقال الوزير اعترضتني عصابة ورجعت إلى البيت لتبديل ثيابي فتأخرت،فقال الملك: هذا بسبب خروجك في أول الصباح، فقال الوزير: لا ولكن العصابة هي التي خرجت قبلي وعلي في المرة القادمة الخروج قبلهم).

المهم في هذا الكلام هو أن الشباب في ذمتكم عليكم أن تسبقوا مثل هذه العصابات التي تريد سرقة الأمل والمستقبل المشرق من شباب وأبناء العراق، وأسأل الله أن لا يتكرر على العراق ما مر عليهم بعد ثورة العشرين من حكم قلة على الأكثرية وأن يوفقكم جميعاً من أجل إعلاء مذهب أهل البيت عليهم السلام ونشر فكرهم الرشيد.